الشيخ محمد علي طه الدرة

375

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

الأرض ، وأيضا : لأنها كالذّكر ، فنزول المطر من السماء على الأرض ، كنزول المني من الذّكر في المرأة ، ولأن الأرض تنبت ، وتخضرّ بالمطر . ووحّد الأرض ؛ لأنها بجميع طبقاتها جنس واحد ، وهو التّراب . وآية السماوات : ارتفاعها بغير عمد من تحتها ، ولا علائق من فوقها ، ثمّ ما فيها من الشمس ، والقمر ، والنجوم السائرة ، والكواكب الزاهرة ، شارقة وغاربة ، نيّرة وممحوة آية ثانية . وآية الأرض : مدّها ، وبسطها ، وما فيها من الجبال ، والبحار ، والمعادن ، والجواهر ، والأنهار ، والأشجار ، والثمار ، وما بثّ فيها من أجناس المخلوقات : فيعلم العباد حينئذ أنّ لهما خالقا مدبّرا حكيما ؛ لأنّ عظم آثاره ، وأفعاله تدلّ على عظم خالقها ، كما قيل : [ المتقارب ] وفي كلّ شيء له آية * تدلّ على أنّه واحد وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ : بالذهاب ، والمجيء ، والزيادة ، والنقصان . قال تعالى في كثير من الآيات : يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ ، * وقال تعالى : لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ وانظر الآية رقم [ 51 ] لشرحهما . وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ : ( الْفُلْكِ ) يقرأ بضمّ الفاء وسكون اللام ، وبضمّهما ، وهو يطلق على المفرد ، والجمع . يذكّر ، ويؤنّث ، قال تعالى : وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ فأنّث . ويحتمل الإفراد ، والجمع . قال تعالى : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ فجمع ، وأنّث ، وكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المركب ، فيذكّر ، وإلى السّفينة ، فيؤنّث . وقد ألغز فيها الشاعر ، حيث قال : [ الطويل ] مكسّحة تجري ومكفوفة ترى * وفي بطنها حمل على ظهرها يعلو فإن عطشت عاشت وعاش جنينها * وإن شربت ماتت وفارقها الحمل ولا تنس : أنّ أول من اخترع السّفينة - وهي الفلك - نوح ، على نبيّنا ، وشفيعنا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام ، ومن تصميمها وشكلها أخذت البشرية تصنع السّفن ، وتتطوّر جيلا بعد جيل ، حتّى وصلت إلى ما وصلت إليه في العصر الحاضر . هذا ؛ وقد كانت السّفن في الزّمن الماضي تسير بواسطة الرّياح ، وأما في أيامنا هذه فإنّها تسير بواسطة البخار ، وفي الزّمن الماضي كان البحّارون يلقون العناء إذا اضطرب البحر ، أو عاكست الرياح « 1 » ، وقد عبّر المتنبي عن ذلك بقوله : وهو جار مجرى المثل : [ البسيط ] ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه * تأتي الرّياح بما لا تشتهي السّفن

--> ( 1 ) أقول : ولا يزال ، وسيبقى البحارون يلقون العناء والمشقة إذا اضطرب البحر ، وفي زماننا هذا نسمع كثيرا عن غرق كثير من السفن ، والعبارات بسبب سوء الأحوال الجوية ، واضطراب البحر .